اسماعيل بن محمد القونوي

100

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كونه تعالى عالما بالأشياء كلها كلياتها وجزئياتها موجوداتها ومعدوماتها كما أن تناهي العلم علة لوجود الأشياء على هذا النمط الغريب كما مر . الهاء في قوله وهو تسكين هاء هو بعد حرف العطف لغة فصيحة لأنه معها يشبه كلمة واحدة مضمومة العين وقد صرح الأئمة بأن الكلمة التي مضمومة العين يجوز تسكينها للتخفيف كعضد ورسل قوله فهو بالفاء إشارة إلى أن هذا الجواز غير مختص بالواو . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] . قوله : ( تعداد لنعمة ثالثة ) تفنن في البيان حيث قال في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ [ البقرة : 29 ] بيان نعمة أخرى وهنا تعداد الخ النعمة الأولى نعمة الإيجاد وإللباس الحياة المشير إليها بقوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [ البقرة : 28 ] الآية والثانية : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ من النعم الدنيوية والأخروية والثالثة خلق أبينا وكل نعمة من النعم الثلاثة مشتملة على نعم لا تحصى وكون هذه النعمة ثالثة بالنسبة إلى الذكر وإلا فبالنسبة إلى الوجود مقدمة على سائر النعم ولعل الترتيب الذكري أنه مع أن السوق يقتضي هذا الترتيب الذكري إن الإنسان غيور فإن نظر إلى ما أنعم اللّه به عليه حمله حب النعمة على الشكر والفكر في آلاء اللّه تعالى ورضي به ولا ريب أن نعمة الإيجاد والإحياء إنعام عليهم والنعمة الثانية مترتبة على الأولى والثالثة نعمة على أبينا بالذات وعلينا بالواسطة . قوله : ( تعم الناس كلهم ) ليس بمختص بآدم عليه السّلام كما يوهمه قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ إلى خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] الآية إذ المراد بالخليفة آدم عليه السّلام كما سيصرح به وأشار إليه هنا بقوله : ( فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود ) المستفاد من قوله جاعِلٌ سواء كان من جعل بمعنى خلق أو بمعنى صير قوله ( إنعام يعم ذريته ) عبر بالإنعام هنا وقد قال أولا نعمة إذ الخلق وغيره وصف له تعالى فهو إنعام وأثره المترتب عليه نعمة يعم ذريته أما الخلق فظاهر وأما إكرامه وتفضيله فبالنسبة إلى الخواص أو بالنظر إلى أن إكرام الأب إكرام للولد وإن لم يكن الولد مكرما بذلك الإكرام وسيصرح في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ البقرة : 34 ] الآية إن أمرهم بالسجود نعمة رابعة عدها عليهم فكيف يعد هنا من جملة النعمة الثالثة فالأولى أن يقال هنا فإن خلق آدم وجعله خليفة وإكرامه بذلك انعام الخ . قوله : تعداد لنعمة ثالثة نعم الناس كلهم ويشعر قوله نعم الناس كلهم بأن خصوص النعمتين الأوليين إنما جاء من التعلق بالمخاطبين لا من عدم وجودهما فيمن قبلهم ومن بعدهم وإلا فهما يعمان جميع الناس أيضا . قوله : وتفضيله على ملكوته أي على عالم الملك .